صفوان الطرابلسي لـ سطور: مشاكل العائلة التونسيّة وأثـرهـا عـلـى الأبـنــاء

صفوان الطرابلسي لـ سطور: مشاكل العائلة التونسيّة وأثـرهـا عـلـى الأبـنــاء

_مشاكل_العائلة_التونسيّة_,أثـرهـا_عـلـى_الأبـنــاء
حرر في 26 أفريل 2016 على الساعة 10:43 27
العائلة التونسية... التحولات العلائقية بين أفراد الأسرة وتفشي ظاهرة الصمت الزوجي... اِنفكاك أواصر الاِرتباط العاطفي بين الأبناء والوالدين... دور وسائل الاتصال الحديث.

تشهد العائلة التونسية تحولات عميقة على مستوى العلاقات بين أفرادها وخاصة بين عنصري نواتها، الزوج والزوجة، إذ نلاحظ توسع الهوة بينهما وتفشي ظاهرة الصمت الزوجي، فما هي أسباب ذلك واِنعكاساته على المجتمع التونسي؟ 

في رأيي أن هذه الظاهرة لها بعدان أو مسببان، أسباب نفسيّة تتعلق بمسارات حياة الأفراد الخاصة وأسباب اِجتماعية والتي سأحاول في هذا التدخل التعرض لها هنا. مع محاولة التفكيك الأولية للظاهرة أجد أن هناك مسببين رئيسيين، سبب أول يعود إلى ما قبل الزواج، فنحن نعيش في مجتمع تكثر فيه الزيجات المعدّة سلفا إذ لا يملك الفرد سلطة على خياراته في ما يتعلق بمسألة الزواج التي تمثل شأنا يخص العائلة أكثر من الفرد، هذا التداخل يقلل من هامش الاستقلالية لدى الفرد مما يضيق من مجال خياراته، بالتالي فاختيار الشريك لا يكون مدروسا ومعقلنا ومحكوما بالانجذاب العاطفي بين الشريكين. كما أنّ مجتمعنا وبحكم طابعه المحافظ لا يفتح الباب أمام الشريكين لاِختبار العلاقة قبل الزواج. هذا ما يجعل عملية التأقلم مع الشريك بعد الزواج أصعب وهذا طبيعي لأن الشريكين لم يتعودا على تقاسم المكان والزمان والجسد والاهتمامات والممارسات اليومية. هذا التباعد في وجهات النظر والميولات المُكتشف بعد الزواج قد يخلق نوعا من المسافة بين الزوجين، بالإضافة إلى سبب آخر حسب رأيي وهو غياب ما نسميه بالأوقات المشتركة في ظل انخراط الشريكين في نسق العمل اليومي المُهلك وغياب أوقات تخصص للأمور المشتركة. 

أمّا بالنسبة لانعكاسات هذه الظاهرة فهي واضحة، حياة عائلية غير مستقرة تؤثر على كامل المجتمع، وتؤثر سلبا بالأخص على الأطفال.

أضف إلى ذلك أنّ العائلة كانت قبلا تجتمع حول التلفاز، والذي رغم مآخذنا على الدور الذي يلعبه إلاّ أنه كان يخلق مواعيد قارة لالتقاء أفراد العائلة وما يمكن أن نعتبره باحتشام تبادل أطراف الحديث، اليوم مع وجود الانترنت حتى بين أيدي الأطفال صارت المسألة أكثر تعقيدا وتحتاج للدراسة، ذلك أنّ وسائل التواصل الاجتماعي صارت بمثابة المهرب للجميع وأكلت الكثير من الوقت العائلي والحميمي بين الزوجين.

بل وصار الحاضر باستمرار على شبكات التواصل الاجتماعي غائبا باِستمرار في الوسط العائلي ويقتصر دوره على الواجب، إنفاقا كان أو مساهمة في إنجاز مهمة محددة.

كلّ هذا إذا أضفنا إليه عامل مراكمة المؤاخذات على بعض التصرفات من جانب الزوجة أو الزوج نجد أنّ الصمت قد احتل حيزا كبيرا وإن وجد كلام فالأجدر أن نسميه جدال أو صراخ.

هنا يمكننا تخيُّل وجه مجتمعنا، كائنات تلهث وراء وسائل النقل ومتطلبات الحياة دون حوار حقيقي بينها ودون ممارسة لأنشطة عائلية كانت أو اجتماعيّة، الكلّ يسجّل حضوره هنا وهناك لكن أيّ حضور هذا في غياب الحوار وتفشي الصمت؟

 

من المشاكل التي تعانيها العائلة التونسية نجد ما يمكن تسميته "اِستقالة الزوج"، وهنا لا نعني بالاستقالة التهرب من الأعباء المادية بقدر ما نقصد بها غياب دوره في تدارس مشاغل العائلة والأبناء ومتابعتهم وتكفل الزوجة، في أغلب الحالات، بهذه المسائل... حسب رأيك ما هي أسباب هذه الاستقالة؟

أنا لا أحبذ تسميتها بالاستقالة، المسألة اِجتماعية بالأساس وأرى أن المرأة مسؤولة بشكل أساسي عن هذه "الاستقالة" إن شئنا تسميتها كذلك. وأعود هنا لأذكر مبدأ تقسيم العمل في المجتمعات والذي نظر له عالم الاجتماع إميل دوركايم. المجتمعات على مرّ التاريخ تقوم بالأساس على مبدأ تقسيم العمل بين أفرادها، وهذا التقسيم يختلف من عصر إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر حسب الخصوصيات الثقافية لكل عصر ولكل مجتمع. مجتمعنا التونسي هو مجتمع سيطرت فيه الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأمازيغية وهي ثقافات بدوية بالأساس ذات طابع باترياركي، مع التنسيب في ما يتعلق بالأمازيغ لأن وضع المرأة لدى القبائل الأمازغية دائما ما كان أفضل. ما نعيشه نحن اليوم موروث عن هذه العقلية الأبوية التي تفرض تقسيما خصوصيا للعمل. هذا التقسيم يعطي للرجل مسؤولية العمل خارج المنزل ويفتح أمامه إمكانيات النشاط في المجال العام في حين يعطي للمرأة مسؤولية العمل داخل المنزل وبالأساس عملية تنشئة الأطفال. 

الإشكال هنا أن هذا التقسيم لم يعد واقعيا إذْ تغيرت المسائل مع تحديث المجتمع التونسي وخروج المرأة للعمل الذي صار ضرورة في ظل غلاء المعيشة والأزمة الاِقتصادية للعائلة التونسية لكنّ التمثلات الاجتماعيّة لدور المرأة لم تتغير، ليس فقط لدى الرجل بل لدى المرأة أيضا وهو ما رفع من الضغط على العنصر النسائي في المجتمع...

وإليكم مثالا صغيرا، المرأة مثلا تطالب الرجل بالمساعدة في الأعمال المنزلية ولكنها تفرض شروطها عند قيامه بهذه المساعدة، أي أنه يجب على الرجل القيام بالعمل المنزلي وفقا للقواعد والجودة التي تفرضها المرأة. هذا يعني أن المرأة ورغم خروجها للنشاط في الفضاء العام مازالت تعتبر أن الفضاء الخاص يندرج داخل دائرة نفوذها الحصري...

ومن هنا تصبح المسألة أشدّ تعقيدا، نحن أمام وضعية تنامت فيها مسؤوليات المرأة وتوالدت في حين بقي تقاسم الأعباء العائليّة محتشما بسبب الطابع المجتمعي السائد من ناحية وبسبب غياب التربية على التشارك في إدارة العائلة وعدم تملّك الرجال لقدرات كفيلة بضمان التقاسم الفعلي للأدوار، وفي خضم هذا يلقي كلّ طرف اللوم على الآخر ويوجه له إصبع الاتهام.

ومما لا شكّ فيه أنّ المجتمع اليوم والعائلة باِعتبارها النواة الأولى له يمران بحالة من الارتباك المتصلة بجملة التحولات في طبيعة العلاقات والأدوار... مرحلة على قدر ما هي ضرورية على قدر ما هي محفوفة بالمخاطر لأنّ ما يحدث اليوم داخل العائلة من تنازع وتنافر أو اتفاق وتعاون يمرّ طبيعيا إلى الأبناء ويمثل حجر الأساس في تشكل ملامح شخصياتهم وبالتالي تشكل ملامح مجتمع الغد، وهو ما يفترض المسارعة في معالجة المشاكل التي تحاصرنا اليوم حتى نضمن مجتمعا مستقبليّا أكثر استقرارا وتوازنا.

 

في أحيان كثيرة تقتصر مهمّة الوالدين على توفير الحاجيات الضرورية ممّا حصر العلاقة بين الأولياء والأبناء في جانبها الماديّ... حسب رأيك ما هي أسباب ذلك؟

انحسار العلاقة العائلية الى دائرة المادة يعود أساسا إلى طبيعة الحياة المعاصرة، اِنشغال الوالدين بالعمل على طول اليوم وغياب مساحة الحوار داخل العائلة، كما أنّ لوسائل التواصل الحديثة أيضا دور هامّ في ما يحدث، إذ تمثل هي الأخرى جزءًا من السبب. ويجب أن نذكّر هنا أنّ مهمة التنشئة الاجتماعية والتربية مع مرحلة دولة الاستقلال خرجت إلى حد كبير من مسؤوليات العائلة، وتحوّلت تدريجيّا إلى المدرسة ومؤسّسات الدّولة لكن تراجع دور الدّولة في المدّة الأخيرة أعاد إلى السطح دور العائلة في عملية التنشئة، والذي أعتبره عاملا مفصليّا في تحديد ملامح شخصية الأبناء طبعا.

الحوار الأسري وخاصة الرعاية العاطفية هي أمور تعودنا ترجمتها عبر ممارسات اِجتماعية مشتركة، فبالنسبة للوالدين توفير المأكل والمشرب والمسكن والعلاج ومستلزمات الدراسة هي ترجمة طبيعية للرعاية العاطفية للأبناء، سوى أنّ المعتاد أمس صار اليوم مصدرا لغياب الاتزان والرضا في العلاقات العائلية بحكم تغيّر طبيعة الحياة من ناحية وبحكم تطور التعبيرات والاحتياجات من ناحية أخرى.

 

وإذا شئنا الحديث عن العلاقة بين الزوجين في وجود طفل ذو إعاقة، كيف يمكننا قراءة المشاكل التي تطرح باستمرار في هذا الإطار؟ وما هيّ اِنعكاساتها على الطفل ذي الإعاقة وعلى مجتمعنا بشكل عام؟

في ما يتعلق بالأطفال ذوي الإعاقة، للأسف الجهل بالحاجيات الخصوصية للأطفال وكذلك للوالدين والعائلة هو ما يخلق أغلب المشاكل. فالأب يتصور بحكم التمثلات الكلاسيكية أن عملية رعاية الطفل هي من مهمات المرأة في حين أن هذه الحالة تتطلب جهدا مشتركا ومتواصلا... بالإضافة إلى تآزر وبذل عاطفيين عاليين.

المسألة أيضا تخرج كغيرها من المسائل العائلية من قبضة الوالدين إلى العائلة الموسعة والمحيط الإجتماعي، فهناك سلوكات مجتمعية تكرّس نظرة الشفقة وتحصر الجهد المبذول لرعاية الطفل ذي الإعاقة في خانة "معاندة الأقدار" في حين أنّ المسألة تتعلق بتوفير حاجيات حياتية ضرورية للطفل ذي الإعاقة ولوالديه أيضا، من بينها الرعاية النفسية التي تكاد تكون غائبة وإن وجدت فنقائصها كثيرة.

ما نخلص إليه عموما في هذه الحالة، أنّ اِرتفاع تكلفة الرعاية والحياة بالنسبة للطفل ذي الإعاقة تجعل الوالدين يتبادلان اللوم في صمت وسط غياب الوعي بأهميّة الحوار بشأن الوضعية العائلية الخاصة وبشأن الإعاقة في حد ذاتها بالإضافة إلى غياب التناول المجتمعي للإعاقة من جوانبها الإنسانية والحقوقية والاجتماعية والنفسية.

كلّ هذه العوامل مجتمعة، إذا أضفنا إليها نوعا من النظرة الدونية التي تُواجه بها المرأة أمّ الطفل ذي الإعاقة، تُعمِّق الهوة بين الزوجين وتجعل الصمت الزوجي حاضرا بدرجات أعلى داخل العائلة التي يكون أحد أفرادها من ذوي الإعاقة، وأعتقد أنّ دور المجتمع المدني بهذا الصدد خاصة في السنوات الأخيرة ساهم في تسليط الضوء على هذه الوضعيات ولا شك أن مراكمة التجارب ستخلق يوما إطارا مختلفا للإعاقة وستحسن من نوعية العلاقات العائلية عموما.

 

حاورته: رفيقة منتصري

_مشاكل_العائلة_التونسيّة_ | أثـرهـا_عـلـى_الأبـنــاء |
متوفر حاليا في الأسواق
حالة الطقس